أبو نصر الفارابي

38

كتاب السياسة المدنية

بالأشياء المفارقة ، إلا أن هذا الشبه لا يخرجها عن طبيعة الوجود الهيولاني وعن طبيعة الصور . وأمّا الجزء الناطق من النفس « 1 » فإنه إذا استكمل وصار عقلا بالفعل فإنه يكون قريب الشبه بالأشياء المفارقة . إلا أن كمال وجوده ومصيره بالفعل وبهائه وزينته وجماله إنما يستفيده بأن يعقل ليس الأشياء التي فوقه في الرتبة فقط بل وبأن يعقل الأشياء التي هي دونه في الرتبة « 2 » ؛ وتعظم الكثرة فيما يتجوهر به جدا . ويكون أيضا وجوده مقصورا عليه وحده غير فائض إلى ما سواه حين ما يصير مفارقا مفارقة تامة لجميع أجزاء النفس سواه . وأما حين ما يكون مفارقا للنزوعية والمتخيلة والحساسة فإنه يعطي من سواه الوجود . ويشبه أن يكون ما يحصل عنه لغيره إنما هو ليتزيد بما يفعله من ذلك وجودا أكمل . فإذا فارقته الآلة لم يمكن أن يكون منه فعل في غيره وبقي مقتصرا على وجوده ، لأنه يشبه أن لا يكون في جوهره أن يفيض منه وجود إلى غيره بل حسبه من الوجود أن يبقى بجوهره محفوظ الوجود دائما ، ويكون من الأسباب سببا على أن غاية لا على أنه فاعل .

--> ( 1 ) لاحظ تردد الفارابي بصدد النفس . تارة يعتبر الحاسة والمتخيلة والناطقة نفوسا وطورا يعتبرها قوى للنفس الإنسانية الواحدة . ( 2 ) العقل الإنساني يحصل على كماله بأن يعقل ما دونه وما فوقه .